محمد هادي معرفة
376
التفسير الأثري الجامع
نيّتهم وخطّتهم ، بادية لافحة : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ولن يستطيعوا أبدا ، ما دام المسلمون ثابتين على عقيدتهم ، لم تزعزعهم العواصف . أمّا ومن وهنت عقيدته وكادت تزلّ قدمه ، فإنّ مآله إلى الخسران الدائم ، سواء في هذه الحياة ، فيقضيها دنيئة وحقيرة . أم في الحياة الأخرى ، حيث سوء المآب . وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ويزلّ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ بقاء مع الكفر حتّى الموت فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هدرت نهائيّا وخسروها خسرانا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَ فوق ذلك : أنّ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . شملتهم اللعنة الأبديّة بلا أمد . نعم إنّ القلب الّذي تذوّق الإسلام وتعرّفه ، لا يمكن أن يرتدد عنه ارتدادا حقيقيّا ، إلّا إذا كان عن وهن في عقيدته منذ البدء . ممّن عبد اللّه على حرف ، فإن أصابه خير في ظاهر الأمر اطمأنّ به ، وإن أصابته فتنة ، لم يملك نفسه وانقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين « 1 » . وسوف نتكلّم عن الارتداد وآثارها السيّئة في إطاره القرآني . ثمّ هذا التحذير من اللّه قائم عبر الزمان . ليس لمؤمن عذر أن يخنع لعذاب أو فتنة ، ليزلّ عن طريقته الّتي كان قد اختارها عن وعي وعن حجّة قاطعة . فيرجع عن الحقّ الّذي ذاقه وعرفه ، بل لمسه لمسا . وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات ، حتّى يأذن اللّه ويأتي بأمره ، واللّه لا يترك عباده المؤمنين دون أن ينصرهم ويأخذ بأيديهم نحو ساحل النجاة . إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ « 2 » . فلا يزال المؤمن في كنفه تعالى منعما بإحدى الحسنيين : إمّا النصر أو الشهادة . فهناك رحمته تعالى يرجوها المؤمن ، ولا ييأس منها مؤمن عامر القلب بالإيمان الصادق : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . [ 2 / 6204 ] أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله : أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ قال :
--> ( 1 ) الحجّ 22 : 11 . اقتباس وتضمين . وستأتي الإشارة إلى أنّ المؤمن لا ينقلب على عقبه . وهذا من مذهب أصحابنا أهل التحقيق ، إذ من لمس الحقّ وعاينه بشهود ، لا يمكنه إنكاره ولا رفضه إذا كان مستقيم الفطرة سليما في عقله . ( 2 ) غافر 40 : 51 .